جديد الأخبار
أنت هنا: الرئيسية / ثقافة / تيمة الموت و المعتقد في رواية “في قلبي أنثى عبرية

تيمة الموت و المعتقد في رواية “في قلبي أنثى عبرية

IMG-20190720-WA0010

تيمة الموت و المعتقد
في رواية “في قلبي أنثى عبرية ”
لخولة حمدي
تقع” رواية في قلبي أنثى عبرية” للروائية التونسية الدكتورة خولة حمدي في 386 صفحة من الحجم المتوسط صدرت سن 2013 الطبعة العاشرة دار كيان للنشر و التوزيع الجيزة ، مصر.
ليس من بواعث هده الورقة المتواضعة التصفيق لرواية أحدثت و ما تزال ضجة هائلة على مستوى القراءة و التأويل ، و إنما مداخلة شبه بسيطة و أكثر من متهكمة تنأى عن السخرية في أبعادها و تجلياتها الثقافية الماتعة وضعت عليها يدي و عيني في أحد مواقع التواصل الاجتماعي يقول فيها … “ثم أسلمت الكاتبة و صاحب المطبعة و القراء و صاحب المكتبة عم “طلعت” الذي اقتنيت منه الرواية “.
تبدو القولة بريئة في ظاهرها القصد منها التسلية و الترويح لكنها ذات خطاب مزدوج تحمل دلالات عقدية تضمر بين ثناياها أكثر من سؤال على مستوى الإيمان و الموت و الحب و المقاومة و الدين …
إن الارتباط المتين بين ثنائية الموت و المعتقد إن استساغ التعبير يجعل رواية” في قلبي أنثى عبرية” أشد واقعية أو على الأقل توهمنا بالواقعية ، إذ تعزى المرجعية الذاتية و الموضوعية لإنتاج الكاتبة لهذا العمل إلى تعرفها على بطلة القصة “ندى” ـ ما قبل الحكي ـ التي كانت تسرد قصتها على أحد الموقع الالكترونية و استطاعت التواصل معها لمعرفة المزيد من التفاصيل .
تدور أحداث الرواية حول المجتمع اليهودي المسمى يهود العرب و عن المقاومة في جنوب لبنان و عن الحب و الحرب و الدين ، حيث تحكي الكاتبة عن قصة حب نشأت بين البطلة “ندى” و أحد ابطال المقاوم “أحمد” و ما نتج عن ذلك من صراع الأديان و التسامح ، دارت الأحداث بجربة التونسية و لبنان.
يخيم على الرواية شبح الموت الذي أصر على أن يخطف بعض شخصيات الرواية بيد أنه ليس هناك أية خلفية فنية تتحكم في إخضاع الشخصيات لمعيار البرغماتية السردية ، حيث يستهل السارد مشروع الموت في الرواية من خلال موت الطفلة الصغيرة ،ريما، إحدى بطلات الرواية الرئيسية ، بريئة معتنقة للدين الإسلامي تفكر بقيم التسامح و كل أشكال القيم النبيلة ، و كما يقول “ميخائيل باختين” إن البطل في الرواية شخص يحمل قيما تسعى الى بناء المجتمع و ليس إلى هدمه ، “ريما” التي فارقت الحياة تحت رصاص و قنابل العدو الصهيوني يقول السارد: “لم تكن قد بلغت التاسعة من عمرها حين توفيت والدتها أما والدها فقد توفي قبلها بسنوات” ص 12 .
في عالم الرواية تشكل الكاتبة رؤيته للحياة و الكون عبر إعادة بناء المادة اللغوية التي تصنع الحدث، و بين الحياة و الكون نصطدم بالموت كعنصر اعتباطي يخلخل المفاهيم و و يدمر المنحى الدياكروني لسيرورة الأحداث و الشخصيات ، باعتبار الموت قاطرة للتلاشي و الانهيار الروحي يقول السارد حول موت ريما :” دوى انفجار على قيد خطوات منها رأت أشلاء تتطاير و شظايا تتناثر . أغمضت عينيها و هي تكتم صرختها وقعت منها السلة و تساقطت حبات الطماطم على الأرض . حين دوى الانفجار الثاني اختلطت قطع الطماطم المطحونة بدم الشهداء” ص 156 .
إن وحدة المعتقد والإيمان كونه القاسم المشترك بين “ريما” و” ندى” هذه الأخيرة بطلة الرواية الحديثة العهد بالإسلام ، جعلها تذرف دموع المحبة والإخاء من أجل هذه الصغيرة “ريما” لما تتساءل عن غيابها الذي طال فيجيبها أحمد: ” أصغي إلي يا ندى …ريما استشهدت ، ريما لم تمت لكنها حية ترزق عند الله ” ص 162.
فإذا كان”جورج لوكاتش ” يقول إن ” الرواية ملحمة بلا آلهة”، فإن رواية “في قلبي أنثى عبرية” انتصرت لفعل اللاهوت المقترن بلذة الموت ، إذ تتوالى المأساة بموت عائلة ” ندى” بنمط اعتباطي من خلال حادثة سير التي لم تكن مقررة فنيا تحكمت فيها سلطة الأحداث الواقعية حسب “ميشيل فوكو”، و ليست الواقعية كما يقول ” ادريس الناقوري في كتاب “المصطلح المشترك”: سوى واحدة من القولات العلمية الشاملة والموضوعية التي تلخص موقفا وفكرة صائبة … تؤكد نتائج واقع بشري وثمرة تجربة اجتماعية معيشة”.
إنه واقع اليهود العرب بلبنان أو جربة التونسية قاسمهم المشترك الموت تحت راية العقيدة الصحيحة من جهة نظر الفرد أو المجتمع ، يتجلى ذلك عندما تقوم ” سونيا ” بطرد ابنتها ” ندى” لأنها اعتنقت الإسلام بعد تعرفها على “أحمد ” بطل المقاومة ، وهذا الجزء يمثل نوعا من الموت البطيء لأنه ظلم ذوي القرب ، يقول السارد ” على لسان ” ندى” في رسالة الى أحمد : ” أخي في الله أحمد ، رغم كل ما تعلمته عن الإسلام وكل ما قرأته ، فإني أبقى بعيدة عن الإلمام بكل التفاصيل ، أجدني في أحيان كثيرة عاجزة عن الرد عن كل الأسئلة والاستفسارات التي تواجهيني في محيطي ، هناك أشياء أستشعرها بقلبي ، لكن لا يمكن أن أوصلها إلى من حولي ” ص 239. إنه ذلك المعتقد المبني على الإيمان المطلق، تصديق بالقلب واستسلام للإسلام فتصير لعنة الاختفاء والثلاشي الجميلة ممزوجة بمبادئ الدين الإسلامي وتيماته المطلقة المؤيدة لفعل الاستمرار الوجودي ، حيث يقابل إسلام ” ندى” اختفاء “أحمد” و الذي لن يظهر إلا بعد مدة طويلة فاقدا لذاكرته خصوصا الجزء المتعلق بذكريات “ندى” ، هنا إيمان ” ندى” لم يكن ناقصا لأنها انفقت مما تحب .
لكن الموت المؤسف والقاسي في نظر الكاتبة دون استحضار زوايا النظر المرتبطة بمعتقد الآخر في مقابل الأنا ، هو موت عائلة ” ندى” جراء حادثة سير أدت إلى وفاة كل من أخ ندى “مشال ” و “جورج ” الأب الذي رباها و “سارة” و الطفلين “كريستيان” و ” كابريال”، الموت الذي ترك ندبة في قلب ندى لأنهم ماتوا على اليهودية ما أشعرها بالتحسر والأسف على مصيرهم .
ولعل مصداقية النص السردي في هذه الرواية يتجلى في ترك الحرية الفردانية على مستوى هاجس الانتقاء العقدي والثقافي ، وهو ما يجعل رواية في قلبي أنثى عبرية تحظى بنصيب وافر من القراءات ذات المستويات المتعددة ، يغدو فيها القارئ المؤلف الثاني للنص الروائي ومعيدا لإنتاج العمل الأدبي . إذ تتشابك الشخصيات وتتصارع لكنها تنفتح على الرأي الآخر وتتسامح مع الغير وهنا تكمن مقصدية هذه الرواية ، يقول السارد: ” أما ميشال الذي لم يكن الخبر جديدا عليه فقد لزم مكانه في صمت ، بعد لحظات من التفكير ، تكلم جورج برزانة وهو يزن كل كلمة من كلماته :
- مسلمة “وما الضرر في ذلك ؟ أنت ستظلين ابنتي على أية حال ، وانا سأساندك طالما تدينين بديانة توحيدية ” ص 232.
إن الموت المتحكم في تنامي الأحداث واختفاء الشخصيات هو موت الفكرة المتصلة بموت المعتقد ، يصبح الإسلام ذاك المصباح البعيد الذي نقل شخصيات الرواية من عالم حيث اليأس و جهل الآتي ، وكذا تلك الشخصيات التي لم تتخل على اليهودية لأنها لم تتحمل موت الروح باعتباره مؤسس للموت المادي ، سواء ندمت على فعل التعصب الوراثي مثل ” سونيا” أو تلك التي وقفت مع حرية اختيار الإسلام مثل “جاكوب” ، هذا لأن شخصيات الرواية شخصيات مثقفة اختارت أن تبحث وتحلل وتفسر لتقتنع يقول السارد على لسان ندى: ” منذ زمن قصير ، كنت يهودية مثلكم وكنت أتساؤل إن كان المسلمون يكرهون اليهود … لكني حينها كنت أجهل كل شيء عن الإسلام ، عدا ماتنقله شاشات التلفزة من معلومات مشوهة ، هدفها تذكية لهيب العداء القائم بين أبناء الديانتين .اكتشفت فيما بعد أن الإسلام ليس ممثلا في آراء وتصرفات من يقولون إنهم يتحدثون باسمه ، وكثيرا ما تحصل تجاوزات وانتهاكات ليس لها أساس في الإسلام والأمر ينطبق على هذه الهجمات الإرهابية . هؤلاء الانتحاريون الذين يعتدون على الشعوب الآمنة ويروعون السياح يجرمهم الإسلام ، كما تجرمهم المرجعيات الإنسانية كلها …” ص 228.
ومن نوافل القول إن رواية ” في قلبي أنثى عبرية ” رواية الحب والمقاومة والدين بامتياز ، توفقت فيها “خولة حمدي” إلى حد ما في إبراز عضلاتها وبسط ذراعيها على مستوى قضايا كانت إلى حد قريب محرما وطابوغير صالح للنقاش وإبداء وجهة نظر أو رأي ، دافعت عنها باستماثة وفرت لها كل مقومات السرد الفسيفسائي الحديث المؤتث لسيميائية الحدث وتناميه.
حميد المعروفي
الفقيه بن صالح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>

إلى الأعلى

Fatal error: Call to undefined function setPostViews() in /home/fkihbenso/www/wp-content/themes/sahifa/single.php on line 93